السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)

211

رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم

--> وإيابهم وكلامهم قائمٌ بذات واحدة لا غير . الثاني : التجلّيات الصفاتيّة ، وهي أن السالك لا يرى صفته راجعة إليه ، بل يُدرك إجمالًا أنّها من ذات أخرى . كأن يسمع كلاماً ، فلا يرى أنّ نفسه هي السامع ، بل يرى أنّ السامع موجود آخر . أو يرى شيئاً ، فلا يرى أنّ نفسه هي التي رأت ، بل يرى الرائي موجوداً آخر . وهكذا الأمر بالنسبة إلى الصفات الأخرى ، وإلى صفات سائر الناس ، فإنّه يرى ذلك مستنداً بأسره إلى علم وقدرة وسمع وبصر وحياة موجودٍ آخر . الثالث : التجلّيات الذاتيّة ، وهي أن يُدرك السالك الصفة مع قيّومها معاً في هيئة الاسم ؛ كأن يسمع شيئاً فيرى السميع ذاتاً أخرى ، ويرى الحيّ والعليم والبصير والقدير ذاتاً أخرى ، وهكذا في بقيّة أفراد الناس ، حيث إنّه لا يرى أسماءهم لهم ، بل يراها بأجمعها من أسماء الله تعالى . الرابع : تجلّي الذات ، وهي أن يرى السالك أصل حقيقة وجوده أو وجود موجود آخر ، أو وجود سائر الموجودات من ذات الحقّ القدسيّة . ويصطلح البعض على هذا التجلّي بالتجلّيات الذاتيّة أيضاً . وعلى أيّة حال ، فقد قصد المصنّف رحمه الله أنّ التجلّيات الصفاتيّة الإلهيّة ليست دليلًا على بلوغ صاحبها المقصد ، بل يلزم في ذلك امتلاك التجلّيات الذاتيّة بنوعها الربّانيّ لا الروحانيّ . واعلم أنّيّ لم أعثر على تقسيم التجلّيات الذاتيّة إلى ربّانيّة وروحانيّة في أيّ من كتب القوم ، وهو ظاهراً من التعبيرات الخاصّة بالمصنّف ، ومراده بها غير واضح . ويُحتمل أن يكون المراد بالتجلّيات الربّانيّة التجلّيات الأسمائيّة في عالم الذات والربوبيّة . مثل تجلّي اسم الحيّ والعليم والقدير والسميع والبصير . والمراد بالتجلّيات الذاتيّة الروحانيّة التجلّيات الأسمائيّة في عالم الفعل ، كالخالق والرازق وأمثال ذلك . كما يحتمل أنّ المراد بالتجلّيات الذاتيّة الربّانيّة تجلّي الاسم ، وحقيقته فناء السالك في ذلك الاسم المتجلّي عليه ، فيكون السالك في هذه الحال مَجلى الاسم الربوبيّ ، ويكون فانياً في ذلك الاسم . والمراد بالتجلّيات الذاتيّة الروحانيّة صرف انكشاف ذلك الاسم في عالم الروح ، دون أن يتحقّق للسالك فناء في ذلك الاسم ، على الرغم من أنّ هذا لا يُصطلح عليه بالتجلّي ، بل بالكشف والانكشاف ، والله العالِم .